العلامة المجلسي
202
بحار الأنوار
وهو على أخس الأوصاف والنعوت ، إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا ، بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ، ولا ينطق ولا يبطش ، ولا يدرك ولا يعلم ، فبدأ بموته قبل حياته ، وبضعفه قبل قوته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، بفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته . فهذا معنى قوله تعالى : " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه " كذلك خلقه أولا ثم أمتن عليه فقال : " ثم السبيل يسره " وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت ، ولذلك قال : " من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل " ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ، ونطفة ثانيا وأبصره بعد ما كان فاقد البصر ، وقواه بعد الضعف ، وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر ، واشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العرى ، وهداه بعد الضلال . فانظر كيف دبره وصوره ، وإلى السبيل كيف يسره ، وإلى طغيان الانسان ما أكفره ، وإلى جهل الانسان كيف أظهره ؟ فقال تعالى : " أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين " ( 1 ) " ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون " ( 2 ) فانظر إلى نعمة الله عليه ، كيف نقله من تلك القلة والذلة والخسة والقذارة ، إلى هذه الرفعة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم ، وحيا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويا بعد الضعف ، وعالما بعد الجهل ، ومهديا بعد الضلالة ، وقادرا بعد العجز وغنيا بعد الفقر فكان في ذاته لا شئ - وأي شئ اخس من لا شئ ؟ وأي قلة أقل من العدم المحض - ثم صار بالله شيئا ، وإنما خلقه من التراب الذليل والنطفة القذرة بعد العدم المحض ، ليعرفه خسة ذاته ، فيعرف به نفسه ، وإنما أكمل
--> ( 1 ) يس : 77 . ( 2 ) الروم : 20 .